خبرتنا 19 عاماً

التخفيض المنظم لسعر اليوان في الصين: ماذا بعد؟

في الصين كل شيئ يجري وفقاً للخطة، الصين منذ زمن بعيد بلد ذو نمو متسارع و اقتصاد سوقي. حسب "الخطة" أيضاً يجري تخفيض سعر اليوان. في ظل الأزمة الأقتصادية الصين مراراً استخدمة هذه الأدات بهدف تخفيض قيمة البضائع المصدرة، و جعلها أكثر منافِسةً، و كذلك بغرض تجنب الإنكماش، الذي في المستقبل قد يصبح عائقاً للإقتصاد الصيني. تكنولوجيا خفض السعر على الطريقة الصينية تنحصر في أن البنك المركزي الصيني، المنظم الرئيسي للأسواق المالية الصينية، بدايةً يخفض سعر اليوان حسب الخطة، بشراء العملات الأجنية، و في ما بعد يبدأ في شراء العملة الوطنية، ما يرفع سعرها. بهذا الشكل يتم تجنب التقلبات الحادة للعملة الصينية.

في بداية مارس العام الحالي، عندما الصين بدأت تطبيق "خطة" خفض السعر، اليوان إنخفض، و لكن فقد من سعره 4.3% فقط أمام الدولار الأمريكي. يجب  الإشارة، إلى إنه منذ بداية أكتوبر عام 2016 اليوان بشكل مستمر  ينخفض أمام الدولار، حيث خلال أكتوبر فقط "خَسَّ" بنسبة 1.25% أمام الدولار الامريكي. وقت كتابة هذا المقال كان يدفع مقابل الدولار 6.773 يوان و الظاهر إنه مستمر في هذا الاتجاه.

تخفيض سعر اليوان يُفيد التصدير

رئيس الحكومة الروسية دميتري ميدفيديف في فترة الأزمة الأقتصادية أعوام 2008-2009، وقتها كان يشغل منصب الرئيس، صرّح، أن سعر العملة الوطنية يجب أن متوافقاً مع الأحداث الجارية في الأقتصاد الفعلي. بشكل خاص، عند هبوط أسعار النفط فإن ليس من مصلحة روسيا ان تدعم إصطناعياً سعر صرف الروبل العالي أمام العملات الاحطياطية العالمية. أما ماذا عن الصين؟ اقتصاد جمهورية الصين الشعبية هو من أكبر المستوردين، و ليس مصدر للنفط و عملياً غير مرتبط بأسعار النفط. ما هي  العمليات الاقتصادية التي ترغم أصحاب القرار المالي الصيني على تخفيض سعر اليوان؟

خلال الأشهر التسعة من عام 2016 الناتج الاجمالي المحلي الصيني نما بنسبة 6.7% بمعدل السنة، أما خلال الربع الثالث ـ 1.8% بالنسبة للربع الثاني. روسيا في فترة ركود اقتصادي، تستطيع فقط أن تحلم بهكذا زخم نمو الناتج الاجمالي المحلي. الصين على عكس روسيا لا تستطيع أن تسمح لنفسها الركود الاقتصادي، بل معدل زخم نمو الناتج الاجمالي المحلي أقل من 6% في السنة.   حيث أن الصين بلد ذو تعداد سكاني أكثر من مليار نسمة، ذو معدل معيشي متدني حتى بالنسبة للدول النامية، تحتل المركز 80 في العالم من حيث الناتج الاجمالي المحلي للفرد الواحد. لذا زخم النمو الاقتصادي الضعيف قد يكون قاتلاً للقطاع الاقتصاد الفعلي، مايؤدي إلى إغلاق الكثير من المنشآت، و بالتالي إلى زيادة حادة في البطالة و فقر السكان، عندها ليست بعيدة الاحتجاجات الاجتماعية.

تلك معدلات زخم النمو الناتج الاجمالي المحلي تقدر كمعتدلة، على الرغم من أن بالمقياس العالمي نمو بمعدل تقريباً 7% خلال تسعة أشهر تعتبر عالية جداً.  تجدر الإشارة إلى أن خلال الأعوام الستة الماضية الصين كانت بوسعها أن تتباها بنسبة زخم نمو الناتج الاجمالي المحلي تقدر بـ 10.4%، أما الآن هكذا معدلات زخم نمو غير موجودة. دائرة الاحصائيات الحكومية الصينية، تعليقاً على بيانات الناتج الاجمالي المحلي خلال التسع أشهر، أن ذلك النمو لا نستطيع أن نسميه "قوي"، و أن الاقتصاد الوطني ما زال يحتفظ على عوامل الغموض، كديناميكية الاستيراد و التصدير.

في شهر سبتمبر تقلص تصدير البضائع الصينة بنسبة 10% بمعدل السنة، أما الاستيراد هبط بنسبة 1.9% (للمقارنة نمو حجم التصدير خلال أغسطس نما بنسبة 1.5%، أما الاستيراد تقلص خلال أغسطس بنسبة 2.8%). الميزان التجاري للصين تقلص بنسبة 21% خلال سبتمبر، لحد 42 مليار دولار. البيانت تظهر أن في الصين ينتعش الاستيراد، بالأخص، السلع الخامية، ما يساعد بما في ذلك السوق النفطي و اقتصاد بعض الدول النامية و المتحضرة.  ولكن الديناميكية الضعيفة للتصدير تظهر، ان العالم يشهد انخفاض الطلب حتى على السلع الصينية، المعروفة برخصها. هبوط حجم التصدير يؤدي إلى إضعاف ديناميكية الانتاج الصناعي. في سبتمبر الإنتاج الصناعي في الصين نما بحوالي 6.1% بمعدل السنة، على رغم النمو في أغسطس بنسبة 6.3. لذا تخفيض سعر العملة الصينة في هذا الخريف كان مفروضاً بهدف توازن الاقتصاد الصيني و انعاش النمو.

ما هو مفيد للصيني، مفيد للروسي

سؤال يطرح نفسه: ألا يأثر تخفيض سعر اليوان سلبياً على الأسواق المالية أو على الاقتصاد الفعلي للدول المجاورة، بالأخص، روسيا و كزخستان؟ من الواضح الآن إنه لا يوجد تأثير جوهري على الأسواق المالية و أسواق الأسهم لتلك البلدان. في أكتوبر، عندما هبط اليوان بالنسبة للدولار بنسبة 1.25%، الروبل الروسي، على العكس، ارتفع بالنسبة للدولار، قليلاً، بنسبة 0.1%. أما العملة الكزخية " تنغي" ارتفعت بنسبة 0.9%. ارتفاع العملات الوطنية لروسيا و طزخستان مرتبط بعدة عوامل: الخروج التدريجي لتلك الدول من الأزمة الاقتصادية، نمو اسعار النفط ( في أكتوبر النفط ماركة برنت ارتفع بنسبة 3.5%، بسعر فوق 52دولار).  في المقابل، نمو سعر النفط متربطة ولو بشكل غير مباشر بالنمو الغير واثق و لكن النمو في الاقتصاد و حجم الاستيراد في الصين. أما خفض سعر الروبل سوف يصبح نعمة للمصدرين الصينيين،أي، للاقتصاد الصيني بالكامل. كلما ازداد زخم النمو الاقتصادي في الصين، كلما ازداد الطلب على الهيدروكربونات، أي زيادة سعر النفط. إذا تخفيض سعر اليوان عامل إجابي للاقتصاد الروسي كما للكزخي و كذلك الدول الأخرى المصدرة للنفط.

تجدر الإشارة، إلى أن النمو البطيئ للاقتصاد الكزخستاني و الاستقرار التدريجي للاقتصاد الروسي ليس مرتبطاً فقط بنمو سعر النفط، بل و بسبب أن في هذه البلدان تم تخفيض السعر العملة الوطنية في السابق. كزخستان أتم  تخفيض العملة بطريقة مسيطر عليها و لكن بشكل حاد في عام 2015، ما أدى إلى نمو الاقتصاد في العام الحالي. في روسيا الروبل فقد سعره لأسباب سوقية: بسبب هبوط سعر النفط. و لكن السعر الزهيد للروبل بالنسبة للعملات العالمية أثر إجابياً على المصدرين و ساعد على تطوير سياسة تبديل المنتجات المستوردة بمحلية الصنع، التي كانت مولد النمو المستقبلي. في الصين يحبوا و يعرفوا كيف يتعلمون و خاصةً من الخبرات العالمية. طبعاً، خبرة الدول المجاورة سوف يأخذ حيزه من اهتمام الحكومة الصينية.

الولايات المتحدة تخشى التدخل في الأمور الصينية* يتبع

تنبيه!

يحتوي هذا الاستعراض على آراء خاصة بالكاتب، ولا ينبغي استخدامها كمشورة أو نصيحة للإستثمار، ولا يعتبر دافعاً للقيام بأي معاملات بأدوات مالية، وليس ضماناً أو توقعاً للحصول على أي نتائج في المستقبل. شركة الباري لا تتحمل المسؤولية عن أي خسائر محتملة (أو أشكال أخرى من الضرر)، سواء كانت خسائر مباشرة أو غير مباشرة، ناتجة عن استخدام مواد الاستعراض.

إلى الأعلى